السبت، 16 مارس 2019

معلم قيد التعلّم: حول دور المصمم في التغيير

في نهاية الأسبوع قمنا بطرح سؤال عن دور المصمم في تغيير العالم. قد يخطر للبعض على الفور أن أي إنسان يجب أن يساهم تخصصه في تغيير العالم وأن يضع لنفسه هدفاً واضحاً وخطة تصل به لهذا التغيير. 
هل يجب على الإنسان التفكير بهذه الطريقة؟ هل التغيير يجب أن يكون من خلال تخصصه؟ هل زكاة علمه محصورة في التغيير؟ كيف نعرف التغيير أساساً وعلى ماذا نقيس نجاحه أو فشله؟ 

العديد من الأسئلة الجوهرية والفلسفية التي تتداخل أجوبتها مع فهمنا للدين، للأخلاقيات والقيم وطريقة استيعابنا للحياة. 
من وجهة نظري الموضوع شخصي جداً ولايوجد قالب واحد صحيح لتحيقيقه بل تجارب مختلفة قد يختلف أو يتفق معها السائل. تحدثنا مع طالبات التخرج عن هذا الموضوع وتطرقنا في البداية لتعريف التغيير وقياس نجاحه، هل يكفي أن أقوم بعملي بشكل جيد وأن أقنع شخصاً واحداً بأهمية التصميم هنا تحديداً في هذا المثال حتى أساهم في التغيير؟
المشكلة أن هذه الأهداف تخفت عندما تبدأ في  الإندماج في عجلة العمل، دوامة (العميل-التصميم-العرض) تشغلك عن القيم الأكبر ويصبح همك جذب العميل وإرضاءه لزيادة مصدر الدخل. البعض يكون محظوظاً بأفضلية اختيار الأعمال التي يرغب عليها والبعض يستطيع توفير وقت إضافي للعمل على مشاريع خيرية أو تطوعية لكن الأغلبية جزء من دوامة العمل التي تساهم باعتقادي سلباً في تغيير العالم. 
كمصمم جرافيك، جزء كبير من وظيفتك هو إقناع الناس بالاستهلاك، سواء من خلال تصميم الهويات التجارية أو الإعلانات وهذا بطريقة أو بأخرى هو تشجيع على الإستهلاك. 

ماهو الدور الذي تلعبه في عجلة التغيير؟
 سؤال آخر قد يوضح الأمر بشكل أبسط، فليس من المهم أن تكون القائد أو الوجه الإعلامي للفكرة أو المشروع، يمكنك أن تلعب دوراً ثانوياً باستشارة أو تنفيذ أو استثمار وقت أو مال وهذا مايجعل تحقيق التغيير أسرع  باشتراك أطراف مختلفة بأدوار مختلفة فيه. 

ماذا عن المعلم؟ 
سألتني إحدى الطالبات، ماذا عنك كمعلم؟ هل يكفي أن تغيري في طالبة واحدة كي تساهمي في تغيير العالم؟ 
أعتقد أن هذا غير كاف. وعذراً فقد يبدو الكلام هنا سلبياً بعض الشيء لكنه حقيقي دون مجاملات. تغيير شخص واحد بالنسبة لي غير كاف حتى لو آمنا بنظرية الفوضى وتأثير هذا الشخص على من حوله. التغيير الحقيقي الذي أسعى له هو تغيير جوهري ينتهي بأصحاب القرار من سياسين وإداريين قادرين على التأثير على سلوكيات يومية حتى البسيط منها والتي تنتهي بتغيير أفضل للعالم بصورة سريعة. التأثير الإيجابي مثلاً على طالباتي في الجامعة يعتبر تأثير في طبقة متعلمة حظيت بفرصة أكاديمية ممتازة والفرص المتاحة لها بعد ذلك هي مرفهة نوعاً ما ولا تعتبر مقياس للمجتمع البتة. خصوصاً وأن عدد الطالبات في الكلية تحديداً قليل جداً مقارنة بعددهن في الجامعة وفي المنطقة تبعاً وسيأخذ الموضوع سنوات قد لا أعيش لأرى نتيجتها. أعتقد أن التأثير الحقيقي الذي يساهم في تغيير العالم هو في إيصال مثل هذه التجربة التعليمية لمن هم أقل إطلاعاً ممن لديهم ميول للتخصص ولم تتح لهم فرصة تعلمها لأسباب مختلفة. وقد تتفاجئ بأن الحلول لتحقيق هذا الهدف بسيطة جداً يتمثل بعضها في توفير الإنترنت و تعلم البرامج التطبيقية. 
بالطبع هذا التفكير لن يؤثر على سعيي في إلهام الطالبات وتوجيههن لأنّ هذه الفكرة هي جوهر ماأقوم به، لكن يمكن القول بأنني أثق بقدرة طالباتي على النجاح بالأدوات المتاحة لهن وأنني أسعى لأكثر من هذا.  

قوة التغيير اليوم 
العالم اليوم يعطينا الكثير من الأمل في جهود فردية تكاتفت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال ونجحت في إحداث تغيير حقيقي في هذا العالم بمساعدة شخص أو تحسين جودة نظام أو تغيير مسمى حركة أو غيرها. هذا النموذج من التغيير هو الأكثر انتشاراً لكنه ليس الوحيد وربما يلخص إمكانية الأثر الحقيقي بين خيارين. إما الوصول لصاحب القرار أو جمع حشود المؤيدين من مختلف الخلفيات وخلق قضية رأي عام. 

كيف أساهم في تغيير العالم؟
 سؤال يجب على كل طالب علم طرحه في مراحل مختلفة من رحلته في التعلم، عليه أن يحد تعريفات مناسبات لشخصيته وتفضيلاته في العمل والتعامل مع الناس ومن الطبيعي أن يختلف تعريفك بناء على ظروفك وقت طرح السؤال، فما تعتبره اليوم ضرورة قد يكون غداً مجرد فكرة عابرة. المهم أن تجرد جوابك من المثالية وتفكر في مشاريع تطبيقية يمكنك العمل عليها يوماً بيوم حتى تصل للهدف الأكبر

السبت، 2 مارس 2019

معلم قيد التعلّم: تجربة تدريس المرسم

"ليست المسألة أن تحاول فرض إجابات معينة بل إن الإجابات ما كانت لتكشف عن نفسها إذا لم تثق فيها و تظل تعمل معها"
إيمي باكن

شغف التجارب الأولى 
خضت هذا الترم تجربة أولى في مشواري الأكاديمي حيث بدأت بإعداد منهج مادة المرسم أو استيديو التصميم لطالبات السنة الثالثة. لمن لايعرف، مادة المرسم هي المادة الأساسية التي يتناولها طالب التصاميم أو الهندسة بفروعها وتشكل ثقل ساعاته الدراسية ونجاحه فيها يعني احترافه لذا فهي تعتبر من المواد المهمة جداً في مشوارك الجامعي ويتم تخطيط باقي المواد كمحتوى وتسلميات على أساسها. 
تجربة تدريس هذه المادة أتاحت لي العديد من الفرص حيث أقابل طالباتي ٤ ساعات خلال يومين في الأسبوع مايعني متسع من الوقت لاكتساب مهارات جديدة بين محاضرات، ورش عمل، تمارين، تصحيح، نقد وعمل جماعي. ولا شك بأن هناك العديد من الخبرات من حولي ممن سبقني في هذا المجال لكنني أود الحديث هنا عن تجربتي في إضافة مواد علمية للقراءة في استديو التصميم.
عنوان هذا الترم هو الهويات التجارية والتعامل معها منذ التفكير بإنشاء النشاط التجاري حتى وصول المنتج للعميل ونركز تحديداً على جانب المطبوعات والهويات البصرية ونتحدث قليلاً عن الإستراتيجيات وغيرها من أمور ريادة الأعمال. 
لأنّ هذه المادة تدرس لطالبات السنة الثالثة فإعداد المحتوى يجب أن يكون أنيق جداً بحيث يستوعب مرحلة تكوين الشخصية كمصمم وفي نفس الوقت يتحدى مهارات الطالبة الحالية ليعدّها للنضج المطلوب للمراحل الدراسية التالية. أحببت أن أدرج ضمن المنهج مواد علمية للقراءة والهدف الأساسي هنا هو إعداد المصمم الناضج المطلع على أبعاد تخصصه من مختلف السياقات. أطمح أن تخرج طالباتي من هذه المادة ببصمة مختلفة تؤثر إيجابياً على توجيههن كقياديات في مسيرتهن المهنية لاحقاً بإذن الله ليس فقط كمصمم قادر على إنجاز المطلوب ولكن كمصمم مفكر واع بالمتغيرات من حوله. 


الإستهلاكية كبداية 
بدأنا الفصل الدراسي بحديث عن الإستهلاكية بين ناقد ومؤيد للحركة الرأسمالية وتبعاتها على وظيفة المصمم. دار بين الطالبات حديث شيق حول المبادئ والقيم واستغلال وسائل التواصل الإجتماعي لهذه الحاجة لزيادة البيع وإيجاد حاجة الشراء الملحة المستمرة. أكثر ماأعجبني في حوارنا عن الإستلاهكية هو اشتراك الأغلبية في نقدهم لمبدأها وفي نفس الوقت طرحهم لحلول كمبدأ لكسب العيش دون الحاجة للخروج عن التيار. تحدثنا عن آثار هذه العجلة على البيئة والمجتمع وعن سبب تأخر وعي الناس بآثارها وأساليبهم المبتكرة للتخلص من شعور المسؤولية تجاه المشاركة في خلق مثل هذا النوع من الحركات. كمصمم يبحث عن مصدر رزق في سوق العمل الحالي، هذه الحركة هي المحرك الأساسي لزيادة الطلب على التصميم فمع زيادة البيع يزداد الطلب على الهويات والدعاية وغيرها من التصاميم ولعل فهم هذه الدوامة يوازن بين خيارك في المشاركة فيها وبين مبادءك المتعلقة بأخلاقيات التصميم.


قيمة الفن في زمن الإستنساخ 
نقاشنا التالي تطرق لقيمة الفن في زمن التقنية الحديثة وقدرة الجميع على النسخ. طرحنا هنا وجهة نظر والتر بيجامين حول مبدأ الإستنساخ وقيمة العمل الأصلي في زمن يمكن للجميع فيه أن يشاهد الفن ويعيد إنتاجه دون أدنى جهد. ولأننا تحدثنا عن الإستلاهكية مسبقاً فقد قادنا الحديث هنا للتطرق للشيوعية والإشتراكية وأخيراً الديمقراطية وأثر مثل هذه الحركات على قيمة الفن والتصميم. 
هل يجب أن يكون العمل حصري حتى يكسب قيمته؟ كيف نوازن بين السعي للشهرة من خلال النشر وبين حفظ قيمة الأعمال من السرقة أو التقليد أو غيرها؟ كيف يمكن للفنان أو المصمم أن يحفظ حقوقه في زمن الإنتشار؟ 
طرحت أحد الطالبات مثال لوحة الموناليزا وأنه لا يمكن مقارنة رؤية صورة لها على الإنترنت بتجربة الإنتظار في الصف لإلقاء نظرة خاطفة عليها. قادنا هذا المثال لتعريف القيمة وفهم اختلافها من شخص لآخر وخلصنا إلى أن الموضوع يعتمد بشكل كبير على تفضيلات شخصية علاقة الفرد بالفن ابتداءً. 
أسئلة كثيرة دارت في نقاشنا وتركت لدينا أسئلة أكثر إثارة. في نهاية النقاش طلبت من الجميع أن يكتب سؤالاً وجد إجابته في الحوار وآخر لازال يبحث عن معناه وكانت النتيجة شيقة جداً.

المحاضرة الأخيرة 
نناقش الأسبوع القادم موضوعنا قبل الأخير ونتحدث فيه عن سياسات التصميم الثقافية ونعتزم على استضافة شخصيتين مؤثرة في مجال التصميم الجرافيكي في نقاشنا الأخير كي نتطرق لوجهة نظر سوق العمل في المواضيع التي طرحت غالباً من وجهة نظر أكاديمية ونختم به سلسلة نقاشاتنا لهذا الفصل.

هل لديكم تجربة أكاديمية مختلفة؟ شاركوني قصص وتجارب حول الموضوع 

السبت، 9 فبراير 2019

تهذيب النفس


كيف يمكن للإنسان أن يهذّب نفسه؟ سؤال يفضي لسلسة من الأسئلة تسبق المقصود وتتبعه ولعل الإجابة عليه قد تأخذنا في الأصل إلى فهم معنى التهذيب الذي نقصده في هذا السياق. التهذيب هو التربية والإصلاح وجعل الشيء سليماً من العيوب وتهذيب النفس لايختلف معناه كثيراً عن هذه الترجمة بل ويقاس عليها بشكل واضح.
ألحّ علي هذا السؤال من خلال تكرار النقاشات عن “جيل هذه الأيام” وعبء التربية الذي لا يستطيع المربّيين تحمله وحدهم وكثرة الدواخل والآراء المؤثرة على الشخص، وقد يكون هذا الأمر جليّاً في الأجيال الصغيرة التي لاتزال في طور النمو لكنّ مايشدني أكثر هو فهمه من منظور الأعمار الأكبر، سن العامل المربي الذي تجاوز مرحلة الدراسة. 

عندما تغيب الأم وينشغل الأب وتنتهي مرحلة الدراسة بمفهوم التلقي وتحضر وسائل التواصل الإجتماعي والمؤثرين من كل أصقاع الأرض بمختلف الثقافات والخلفيات الإجتماعية، كيف أحافظ على تهذيب نفسي؟


عندما طرحت هذا السؤال على الإنستقرام وصلتني إجابات كثيرة، جلّها ركز على الدعاء واللجوء للقرآن للحفاظ على النفس السوية، ولاشك أنّ هذا من أهم الأمور التي يبنغي الإشارة إليها. ولطالما اقتنعت أنّ فطرة الإنسان في الأصل جامحة تحتاج لقوانين وأُطر واضحة كي تستقيم وهذا المعنى لايتعارض أبداً مع قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة" فالفطرة هي الإسلام والتهذيب والتربية هي الدرجات - الإيمان والإحسان- وبالطبع نطمح لأعلاها.  
أعجبني بعد البحث أن عدداً كبيراً من الكتاب تطرق لهذا الموضوع ويبدو أن هذا الأمر قد شغل الأزمنة بمختلف ملامحها وكانت الإجابة تقريباً متشابهة في كل مرة رغم اختلاف السياق. ابن المقفع على سبيل المثال عندما سُئل "من أدّبك"؟ قال: "نفسي. إذا رأيت من غيري حسناً آتيه، وإن رأيت قبيحا أبَيْته" ولعل هذا يعيدنا للمعنى القرآني في تفضيل النفس الأوابة التي تراجع إيمانها وتجددالأصل. ولاشك أنّ للصحبة تأثير كبير على حرص النفس على التوبة والتذكير بالهدف من الحياة "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ" وهذا الأمر يدعوني للتفكر، هل حلّت وسائل التواصل الإجتماعي اليوم بديلاً عن الصحبة؟


اختر العزلة

إذا كنّا نعتقد أن الصحبة هي العلاقات التي تقضي معها وقتك وتستمع لها وتصغي لنصحها فهل أصبح مؤثرين مواقع التواصل الإجتماعي ومشاهيرها هم "الصحبة"؟ قبل أيام قرأت احصائية عن استعمال الشباب في هذا الوقت للإنترنت وعلاقة الإنجاز الحقيقي بما يتم نشره، وبصورة غير صادمة البتة فإن هذا الزمن هو أكثر العصور التي تم الإحتفال بها عبر الإنترنت دون إنجاز فعلي موازي على أرض الواقع. وهنا تجدر الإشارة لما ذكره مايكل هاريس في كتابه العزلة بأنّ الوقت الجيد الذي يقضيه الإنسان مع نفسه هو المقوّم الأساسي لسلوكه وذاته، وهنا يقصد الفصل التام عن أي جهاز أو تقنية أو صوت خارجي وليس فقط الجلوس وحيداً مع هاتفك بدون صحبة. هو يعرّف التهذيب كعزلة ويعتبر هذا الوقت من أهم العوامل التي توصل الإنسان لنضجه الداخلي وفهمه لنفسه والعالم من حوله.
هذه الطريقة في اعتزال العالم الإفتراضي أصبحت هبة في الآونة الأخيرة "ديتوكس السوشيال ميديا" وأعتقد أن فكرتها جيدة لكنّ التطبيق يحتاج لمراجعة. لو افترضنا أن الهدف الأساسي هو تنظيم الوقت والإنشغال بالمفيد والتركيز على تحسين جودة الحياة واللحظات الحقيقية فيها فهل يحتاج الإنسان أن يعتزل مايزعم أنه سبب الفوضى في حياته لمدة شهر على سبيل المثال ثم يعود لنفس الروتين السابق وكأنّ شيئاً لم يكن؟ هل هي جرعة سنوية أم أن المراد يتحقق بالتربية اليومية لتقويم سلوكنا نحو هذا الموضوع؟ للإجابة نعود لتهذيب النفس من منطلق ديني كما بدأنا، لو أنك تعتزل الدنيا وملهياتها وكل مايشغلك يومياً خمس مرات تفصل فيها عقلك عن الدنيا لتركز على روحك وقيمتك المعنوية بالدعاء وطلب الآخرة كما يحدث عند أداء فروض الصلاة لكفى ذلك كنوع من المراجعة والتأمل الذي يشحن طاقتك للإستمرار في فوضى الإنشغال، لتحقق المراد من جرعات العزلة. لكننا نبحث عن حلول خارجية نحقق فيها التصالح الذاتي دون التفكير فيما بين أيدينا من أدوات ونعِم.  


"أنظر لنفسي من الخارج وأستطيع أن أرى كل شيء في مكانه الصحيح وعندما لاأرى ماأردت لها أن تشبهه أعود فأصلح الأمر. لأنني أهذب نفسي بفضلها، وأعيش مقلداً لهه وماأريد الوصول إليه بتقليده مؤمناً أنني سأكون هو في أحد الأيام أو سأكون مثله على الأقل وأعيش على هذا الأمل” 
- أورهان باموق 


حل أوسط

لاشكّ أن مايحيط بك سيؤثر بك وخصوصاً مانسمع ونرى في أوقات استرخاءنا عندما يكون عقلنا اللاواعي في وضع التخزين وهو تقريباً مايضيع به وقت طويل من يومنا لذا ولأقل الضرر، أحط نفسك بمن تطمح أن تكون مثلهم ومن يلهمك نجاحهم بعيداً عن الماديات والإعلانات التي غزت هذا الزمن ووصلت لكل بيت وفرد كما لم يفعل زمن من قبل وأغرقتنا في الإستلاهكية بشكل وأعتذر على هذا اللفظ ولكن عليّ القول بأنه مقزز. لايمكنك تصفح أي شيء من دون أن تستمتع لإعلان أو غيره ممن يحثك بطريقة في غاية الإبتذال للشراء ويقنعك بأنّ هذا يستحق مالك وينتهي يومك وأن تدور في حلقة مفرغة توهمك بحاجتك لأشياء لا تمتلكها وتحيك على السعي لنيلها وتجعلك في حالة دائمة من الإنزعاج وعدم الرضا عندما تعجز عن توفيرها!


هل أعزل نفسي عندما أهذبها؟ 

ترفعك عن الدنيء وعدم معرفتك بصيحات الموضة وسكتشات اليوتيوب وترند الكلجات بالطبع لن يزيد من شعبيتك الإجتماعية وسواء اعترفنا بهذا الأمر أم أنكرناه فإنّ إثبات أنفسنا في دوائرنا الإجتماعية مهما اختلف قطرها ضرورة من ضرورات الحياة وتهذيب النفس الذي أتساءل عنه هنا لايعني أنّك لن تكون ظريفاً أو ذو شخصية محبوبة أو أنك ستقضي وقتك في الأمور الجدية فقط، فلابد في النهاية من الموازنة والترويح عن النفس ولكن لكل شيء قدر والإفراط الحالي يشدنّا لنتيجة لاتظهر علاماتها حالاً وهو الأمر المخيف حقيقة. ربما يكون الحلّ في هذه المرحلة من الإفراط أن نتجه للتشدد ثم التخفف تدريجياً حتى نبدأ برؤية النتائج وكما نعرف "التخلية قبل التحلية" ولايمكن أن تغرس قيماً جميلة عندما لاتفهم معنى القيم بالأصل. 


الإسلام يهذبنا 

أعظم ماتقدمه لنفسك هو فمهما، مالذي يزعجك؟يستثير غضبك؟ يسعدك؟ يحفزك على العمل؟ يضيعك عن الهدف؟ وكل شخص هو أدرى بذاته ومايؤثر فيها والخطوة الأولى في اعتقادي تجاه موضوع تهذيب النفس هو فهم مشاعرك وطريقة تعاملك معها.
في الوقت ذاته، وقتك هو أمانة وستسأل عنه فيما قضيته وهذه قضية جوهرية مخيفة حقيقة أن تقف بين يدي الله وقد أضعت عمرك في المشتتات ولعلها السبب الأكبر الذي يدعونا لطرح مثل هذا السؤال وإعادة التفكير والبدء في خطوات عملية نحو مفهوم التهذيب. 


الموضوع بالنسبة لي لازال شائكاً ويستحق البحث والنقاش لذا أسعد بآرائكم وأسئلتكم علّنا نصل لما يساعدنا في رحلة الإكتشاف 

كتب أنصح بها في الموضوع: 


الاثنين، 15 أكتوبر 2018

وداعاً -كيت-

الموت. الشبح الذي ندرك حقيقتة وجوده، نسمع عنه ونتناقل القصص عمن زاره ونؤمن به كيقين مؤكد في دنيا فانية لكننا لا نستوعبه حقاً حتى يزورنا بصورة قريبة. قريبة مفاجأة. قريبة مفجعة. 
توفيت البارحة زميلتي في العمل. معلمتي. ملهمتي. جارتي في المكتب. لاأعرف أي وصف أختار لها، كانت أشياء مختلفة متضادة ومتناغمة.. عرفتها منذ اليوم الأول لها في الدمام ومرت علاقتنا بمراحل مختلفة اختلفنا في كثير منها وتعلمت منها في كثير آخر. 

لقاؤنا الأول 

أذكر تفاصيل محادثتي معها عندما رأيتها للمرة الأولى، وأذكر شغفها في أول محاضرة عندما حدثتنا عن خلفيتها ومسقط رأسها وعملها في جدة في الجامعة وعلاقتها الممتازة مع طالباتها الخريجات.. انبهرنا بقصتها عندما سمعناها للمرة الأولى وضحكنا كثيراً بعدها عندما بدأت تكرر القصة في محاضرات أخرى.  

كانت تحب الحديث وتتقن أصوله، فعندما تبدأ بسرد موقف أو إسداء نصيحة تستطرد بالحديث وتنقلك من عالم لآخر بأسلوب لاتملك معه إلا الاستماع والإستمتاع. تتحدث دائماً من خبرتها وتملك تجارب لاتعد ولاتحصى. 
عندما بدأت بالعمل درست معها في أول ترم لي بالجامعة وكنت أتعجب من قدرتها على الارتجال حينما تباغت بموقف غير مخطط له أو سؤال خارج النص وكانت دائماً تملك حضوراً يضيف لخبرتها في الحديث فتبدو متأكدة جداً مما تقوله، وقد تكررت المواقف حينما تتحدث بحزم ثم تلتفت علي بابتسامة ساخرة تتبعها ب”لاأعرف مالذي قلته للتو”.. 
مداخلاتها المثرية في الإجتماعات وإضافاتها الأكاديمية المثرية لايمكن حصرها حتى أطلقنا عليها "queen of rubrics" لقدرتها على فهم وإعداد هذه المصفوفات بصورة متميزة. 

مؤخراً كانت جارتي في المكتب أطل عليها كل صباح وأودعها في نهاية اليوم، أسأل عنها وعن يومها ونتحدث عن الطالبات بشكل أو بآخر، عندما كنت مسؤولة في المعرض الترم الفائت لا أنسى لها مساعدتها لي في عطلة نهاية الأسبوع وتكبدها عناء العمل الإضافي بكل رحابة صدر وبمبادرة سأفتقدها حتماً.. 
مررت بها الأسبوع الماضي لأحدث طالبات إحدى محاضراتها وكنت أمازحها “لقد افتقدتك منذ انتقلتِ للمكتب الجديد، علينا أن نجد بعض الوقت لنمضيه معاً”… سأفتقدك الآن للأبد… 

رحمته وسعت كل شيء 

حزينة جداً.. وأكثر ماآلمني أنها رحلت دون أن تُسلم. أريد أن أطلب لها الرحمة، أن أجمع لها الصدقات، أن أفعل الخير باسمها دون جدوى.. لو عاد بي الزمن سأحدثها أكثر عن الإسلام، ورغم أنها كانت في غاية الإحترام لكل العادات والتقاليد ودائماً ماتتحدث بلغة راقية عن السعودية وهي أفضل من أعرف من الأجانب في لف “الطرحة" ولبس العباءة إلاّ أن كل ذلك لايكفي دون الشهادة.. وفاتها أثرت فيني كثيراً واتصلت مباشرة بزميلة لي في الغربة أحدثها عن الإسلام وأجدني أدركت بصورة مباغتة أن الحياة لاقيمة لها إلم تحتوي أثراً بهذه القيمة. 
منذ أن تلقيت خبر الوفاة وأنا أبحث عن جواب لهذا التساؤل، ماذا يمكنني أن أفعل لها؟ وأعرف أن رحمة الله واسعة وأعرف يقيناً أن الله أرحم مني ومن غيري بها وهو أعلم بقلبها وصالح عملها وأدعوه أن ينظر لمافي قلوبنا لعله يشفع لها ويخفف عنها في وحشتها.

-
يأتي هذا الخبر لاحقاً لخبر وفاة محمد بن رافعة الذي فجعت به من قريب وأجدني متأثرة جداً بهؤلاء الذين عرفت باغتهم الموت وباغت أحبابهم.. أسأل الله أن يربط على قلوبهم ويلهمهم الصبر والسلوان. 
-

حسن الختام وطيب المأوى 

أيامنا في هذه الدنيا محدودة، تكاد تختفي في غمضة عين ودون استئذان.. أعد النظر في علاقتك بربك تفقدها يومياً واطلب المغفرة، أعد النظر في علاقاتك بمن حولك وانظر لأولائك الذين يعنون لك حقاً، أكرمهم واقضِ وقتاً أطول معهم فلاتدري أي في أي ساعة سيحين أجلك.. 
اللهم احفظ لنا أحبابنا ولاتفجعنا في فقدهم وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها…  

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

معلم قيد التعلّم

لاأستطيع تذكر تاريخ بدايتي في التعليم فمنذ زمن طويل وأنا في هذا المجال، أتذكر دروس المصلى في المتوسطة وتطوعي في الصيف مع غراس أو لتدريس الأطفال في أحد المراكز الصيفية، بل لاأكاد أتذكر صيفاً دون أن أكون ضمن أحد هذه البرامج وأعتقد أن سنوات الجامعة صقلت هذه المهارة من خلال مهارات العرض العلمي وأسلوب طرح الأفكار بشكل أكثر حرفية. 

خط زمني 

أذكر خلال دراستي الجامعية إعدادي لدرس ديني أسبوعياً بيني وبين زميلاتي لايزال من أجمل ذكرياتي، كنت أستمتع بتلخيص الدروس وإعادة سردها بطريقة قصصية وتفاعل الأشخاص مع ما أروي كان حافزاً كافياً كي أستمر.
في السنة الثالثة، أنشأت نادٍ للقراءة مع زميلتي أسميناه تطوير وقدمنا من خلاله عدداً من الفعاليات. جاءتني  خلال هذه الفترة رسالة بترشيحي للمشاركة في المؤتمر العلمي من خلال تقديم ورشة عمل عن القراءة السريعة، كنت سعيدة جداً بهذه المشاركة وفكرة أن يتم ترشيحك لأداء ماتبرع به لأول مرة يمثل تحدٍ شيق قد يجعلك تستيقظ دون الحاجة للمنبه. 
وظيفتي الحالية أثارت عدداً لانهائياً من التساؤلات عن التعليم. سنوات عملي الأولى كنت فيها أقرب للمراقب المتعلم منها للمعلم، كنت في موضع يسمح لي برؤية الأشياء على بعد وغالباً يكون من السهل ابداء الآراء في مسائل لسنا بعد في موضع تحت ضغوطات اتخاذ القرار فيها. 
مؤخراً اختلفت القصة، فمنذ أن عدت من الماجستير استلمت مهام المحاضر وهي في القسم الذي أعمل فيه على الأقل لاتختلف عن مهام الدكتور المسؤول عن المادة بل أكثر. منذ أن يتم وضع اسمك في الجدول حتى تسليم التقرير النهائي عن المادة ومراجعة نتائج تقييمها مع رئيسك أنت المسؤول عن كل مايتعلق بها. مهام ومسؤوليات مختلفة وأمور قد لاتكون فيها خبيراً بعد وأحياناً تكون مهام غير محببة لأن الموضوع لا يتعلق فقط بحضورك وشخصيتك المميزة داخل الفصل لكنه يتعداه ليصل لمدى التزامك وجديتك وحضور شخصك مع الطالب ومع مرؤسك في نفس الوقت، تكون ليناً هنا حازماً هناك ومتفهماً في كثير من الأحيان التي لا تفهمها في اللحظة.

سؤال المرحلة

أكثر ماتعلمت منه ولاأزال هو حديثي مع زميلاتي في المهنة ونقاشاتنا المستمرة حول كيفية التصرف في مواقف مختلفة، فمن الصعب إيجاد كتاب تتبعه خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص حولك. يتبع كل منا نهجاً مختلفاً ويطرح الجميع وجهة نظره دون أن نتفق لكنني أستمتع بسماع الإختلافات ومنها أفهم أنّ الطريق الصحيح ليس بالضرورة واحداً.
أعتقد أن أكثر ماتحتاجه هذه المهنة هي الحكمة وسرعة البديهة، وكلاهما يتطور مع سنوات الخبرة، الممارسة والإستماع أكثر من الكلام، عندما لاتعرف كيف تتصرف وتساءل نفسك هل مافعلته هو الصواب فأنت تقوم على الأرجح بأفضل ماتستطيع، وهناك معلمون بالفطرة وآخرون يتعلمون وبعضهم ليست المهنة في دمه ببساطة والمؤهلات لا تقتصر فقط على التحصيل العلمي أو حضور الشخصية، بل أهمها الأمانة في التعلم ونقل المعلومات ومخافة الله في المسؤولية التي بين يديك وهو الدافع الأقوى خصوصاً عندما لاتكون في أفضل حالاتك.   

أحاول دائماً أن أرى الصورة الأكبر، أن أحب عملي كل يوم أكثر مما قبل وأن أكون على قدر من الحضور والإتقان الذي لا يقصر في حق طالباتي أولاً ثم في حق وظيفتي التي أؤمن بأنّ هدفها الأساسي هو إعداد الشباب لخدمة الوطن من خلال تعليمهم القيم والمهارات المطلوبة والمتوقعة لسوق العمل وإعدادهن للحياة بشكل أدق خصوصاً من خلال دراسة التصميم الذي غير حياتي شخصياً. 

لم يمت من له أثر*

كل يوم يزداد فهمي لمعنى التعليم بشكل أكبر، فأن تكون معلّماً لايعني أن تمارس مهنة التدريس فقط، هي أن تكون قدوة في نفسك أولاً ومن ثم في مجال تخصصك، أن تحتوي وتوجه وأحياناً أن تكون مرشداً مسؤولاً في نفس الوقت. أتمنى أن أكون معلماً ذو أثر وأعتقد أنني أمتلك المقومات اللازمة لذلك وأدعو الله أن يعينني على صقلها وتطويرها… 
يطول الحديث حول هذا الموضوع ولاأعرف إن كان ينتهي لخلاصة لكنني أحببت أن أوثق شعوري في بداياته حتى أتمكن من زيارة هذا الشعور بعد سنوات وأرى إن كنت أتفق معه أم لا.  

الجمعة، 3 أغسطس 2018

بعد الإبتعاث

رغم أنه لم يمض على عودتي من لندن سوى أشهر إلاّ أنني أشعر وكأنني لم أغادر من الأساس. أحياناً يصعب علي استحضار الأماكن واللحظات التي قضيتها هناك ويستوقفني دائماً أصحاب التجارب المشابهة وأنبهر عندما أقابل أحدهم ممن مضى على ابتعاثه زمن لكن قصص وتجارب المرحلة لاتكاد تفارق أياً من أحاديثه ويدفعني ذلك للتساؤل، هل النسيان، التناسي أو غيره شيء طبيعي؟
بعد عودتي بأسبوع باشرت العمل وانغمست مباشرة في مهام الجامعة والإنتقال لمنزل جديد والعلاقات الإجتماعية وأعتقد أنني مع زخم هذه الإلتزامات لم يتسن لي الوقت الكافي لأتأمل أو أفكر في وضع المرحلة مقارنة بغيرها. بالتأكيد الحياة هنا مختلفة عن غيرها وخلال زيارتي الأخيرة للندن فهمت بشكل واضح أن ماتغير علي لم يكن له علاقة بالمدينة نفسها ولكن بما تمنحه لساكنيها وتحديداً بالإستقلالية المبالغ فيها أحياناً. أسلوب الحياة، طبيعة العلاقات، والتفاصيل اليومية التي تجعلك إلى حد كبير تملك وقتك وتديره بالطريقة التي تريدها.
أمضيت فترة بعد عودتي أتساءل عمّا يجعل الأماكن وطناً ويحدد مصيرها بساكنيها، ولعل ماأثار هذا التساؤل بشدة هو تشتتي بين عدة منازل لفترة طويلة وبينما لم أجد صعوبة في تقبل مسكن جديد في لندن وجدت صعوبة بالغة في الإنتقال لمنزل جديد هنا، ماخلصت له حتى الآن وهي خلاصة متواضعة لازالت تتبلور هو أن المساحات الشخصية التي يجمعها الإنسان لنفسه والعادات اليومية التي يكررها في حيز معين، التفاصيل التي يضيفها، يعزلها، يطرحها من الأشياء حوله وأهم من كل هذا الذكريات التي يحملها أو يبنيها في المكان هي التي تحدد قيمته وأحياناً يجبر المرء على التأقلم وأحياناً يشعر أنه اختياره الوحيد أو أنه يأتي بعد بحث طويل فيسلم له أحلامه لكنّ هذا لايعني أنه لايمكن أن يعيد صياغته لشيء أقرب وأكثر عمقاً.
 
بعد الإبتعاث كنت أعتقد أنني سأكون متحمسة أكثر للعمل والإبداع في المجال الجديد الذي تعلمته لكنني أظن أنني تشتت مع كل التغييرات حولي بما فيها التغييرات في الوطن والرؤية الجديدة، أعتقد أن هذا جعلني محبطة بعض الشيء وأبحث عن الهدوء أكثر من بحثي عن الشغف، لم يكن هذا سلبياً تماماً كما يبدو لكنه على غير ماتوقعت ولهذا تأثير مختلف نوعاً ما. لم أجد بعد فرصة لتطبيق دراستي رغم أنني أجد المشاريع من حولي كثيرة، وربما هو الفريق أو الأسلوب أو كما أخبرني أحدهم طريقة عرضي لماتعلمت لكنني متفائلة أنني سأهتدي للطريق عمّا قريب. 
وجدت مايشغلني بالإضافة للتدريس الجامعي، أعددت منهجاً جديداً، قرأت كثيراً، جربت العمل المستقل وعملت على عدد من المشاريع الحكومية والخاصة، صممت عدد من المنتجات لكنني وبعد كل هذا لازلت أشعر أنّ هناك شيئاً أكثر قيمة يمكنني أن أحترفه ولعلي تائهة في الطريق الصحيح أو الخاطئ ولاأعرف غير أنني أجرب حتى اللحظة سعياً للوصول. وربما هو الموازنة بين كل هذا وربما هو شيء جديد مختلف كلياً. أستطيع أن أقول أن هذه الحيرة جعلتني أقرب لنفسي وأنتبه أكثر لتفاصيل مايعجبني ومايزعجني، للقيم المهمة في حياتي ولما أختار أن أعطيه وقتي. ليست النهايات دائماً باختياري لكنني أسعى لأن أقنن عدد ماهوعكس ذلك.
تحقيق نفسي في بيئة العمل قيمة مهمة جداً وكوني درست الفن غير في شخصيتي كثيراً وأضاف لهذه القيمة وزناً مختلفاً مرتبط بقوة بتحديد معنى الأشياء من حولي، ومؤخراً أدركت أنني من ضمن الأشخاص ذوي الإدراك العالي وهذا لايجعل الوضع أفضل على أية حال وقد أتحدث عنه لاحقاً بشيء من التفصيل… 

خلاصة القول أن درجة الرضا عن الحياة لدي ومايحقق لي السعادة قد تغير ميزانه كلياً ولم تعد الأشياء السابقة تحمل ذات المعاني وقد سبب لي كل هذا درجة كبيرة من الشتات الذي لازلت أحاول أن أجمعه لكنّه في المقابل يتيح لي فرصة اكتشاف نفسي والعالم الصغير من حولي من جديد ولأنني في مرحلة البداية في كل شيء أقوم به حالياً فالأخطاء واردة وكثيرة وأفكاري لازالت مبعثرة رغم انعكاسها بشكل ايجابي على مستوى النضج الفكري الذي أشعر به، وللمرحلة جوانب مختلفة ومتضادة أدعو كلّ يوم أن تصلني بالغاية وألا تضيع مقابل لاشيء. 

الأربعاء، 27 ديسمبر 2017

قطاف

٢٠١٧ لم تكن كأي سنة ليس لأنها حملت معها البدايات ولكنها كانت حصاد لما ابتدأ منذ فترة.
عندما بدأت أكتب هذه التدوينة لم أعرف هل أتحدث عما أرجوه للمستقبل أم  ما تعلمته من الماضي؟ هل تكون عن الأمل والأحلام أم تركز على التأمل واستدراك الأخطاء؟
من الصعب عليّ أن أحدد مسار القصة عندما أتحدث عن هذه السنة، أكتب هذه التدوينة وأنا على متن الطائرة متجهة للسعودية للمرة الأولى بتذكرة باتجاه واحد ولعلّ هذا أبرز حدث والأكثر تغييراً لهذه السنة ورغم أنه يأتي في نهايتها إلا أنه الجزء المثالي كي أختم به.
اليوم وعلى بعد أسبوع من بداية السنة الجديدة أنهي رحلة ابتعاثي وزوجي وليد للندن فخورة بإنجازنا وأعود للوطن، لعائلتي التي كان غيابي مصدر قلق لكلينا، أعود لجامعتي وطالباتي الذين افتقدتهم وأعود بشخصية لا تشبه مريم التي رحلت قبل مايوشك على مقاربة الثلاث سنوات. 


علاقتي بلندن 

قرار الإبتعاث كما أسلفت في تدوينات سابقة كان من أهم قرارات حياتي، وربما أتحدث هنا عن لندن، بإيجاز، التي احتضنتني وتعلمت فيها الكثير مما لا أستطيع حصره. المدينة التي لا أعرف كيف استطعت الإتفاق معها رغم أنني ابنة الماء التي تبحث عن الشمس وتجد بهجتها في الأمواج والإنعاكاسات، لكن بقدرة قادر ودعاء أمي أشعر وأنا أودع لندن بأن بيننا علاقة مميزة تعرفت فيها على الفن بتاريخه العريق وإتجاهه الحضاري ووجدت فيها فكراً يشبه ماأحب، ناقد، حذر، واعي ومطلع على كل شيء. لم أبذل جهداً كبيراً كي أندمج وهو شيء عكس ماتوقعته نظراً لطبيعة آرائي القوية، خلفيتي الدينية المحافظة واختياري للإلتزام بالعباءة في عقر دار الفن، ومن درس في جامعات الآرت والفاشن يعرف تماماً ماأقصد، وليس من العدل أن أقول أن الكل تفهم اختياري أو جنبني الإنتقاد لكن على الأقل لم أتعرض للمضايقة يوماً بسبب مظهري ولم أرفض في مقابلة عمل أو في ترشح لمسابقة أو غيره بسبب اسمي أو وطني ولعلّ المضحك أن بعضهم رأى في طريقة حجابي فنّاً وطلب مني أن أكون جزء من مشروع تصوير وغيره.

ربما تكون هناك تجارب مختلفة لبعض من يقرأ ولست هنا لأمجد الإنجليز فنحن لا نختلف على مايحدثنا به التاريخ والذي لايزال مترسخاً في أذهان الجيل الأقدم في المدينة خصوصاً عندما تضطر للتعامل معهم. لكنني أستطيع أن أتحدث بشكل شخصي عمّا عشته من خلال الجامعة وطبيعة الحياة اليومية التي في معظمها تكون مع جنسيات مختلفة قصدت لندن لنفس الغاية: طلب العلم أو البحث عن الرزق. 
أستطيع أن أقول أن علاقتي بالمدينة تطورت هذه السنة تحديداً بشكل غريب. قبل أن أسافر كانت إحدى الصديقات تحدثني إن شعرت بالحزن يوماً أن أطعم البط في الهايد بارك وأتمشى حول البحيرة وكنت أضحك باستغراب على تعليقاتها، لكنني عندما كنت أحن للوطن أو أصادف يوماً غير موفق في الجامعة كنت أجد نفسي أتجه للطبيعة التي تتمثل في لندن بالحدائق والبط والبحيرة. 

لم أكن أنا والمدينة على وفاق دائماً فأيامها الغائمة المتتالية وبرودتها القاسية كانت دوماً مصدر إزعاج بالنسبة إليّ خصوصاً حين يصادف ذلك يوماً صعباً في تفاصيله، لكنني وفي الأشهر القليلة الماضية حين لم أكن مرتبطة بالدراسة سمحت لنفسي بإعادة استكشاف المدينة وتكوين لحظاتي الخاصة معها وتوسيع قائمة مفضلاتي من خلال زيارة الأماكن والمحال التي كنت أتجنبها بسبب ضغط الدراسة. كنت أستمتع بقضاء الوقت مع زميلاتي الذين يعرفون المدينة أكثر مني، يرشدوني لوجهات جديدة ولاأضطر معهم لاستخدام التكنولوجيا للوصول للوجهة وهو من أجمل وسائل التعرف على المدينة من جديد. فترة الصيف تحديداً وعند زيارة عائلتي لي كانت من أمتع الأيام التي قضيتها فيها لأنني تعرفت من جديد على المنطقة من وجهة نظر العائلة وتحديداً إخوتي الصغار الذين كانت لهم لمستهم الخاصة في التجربة.
كانت لندن في الأيام الأخيرة في أبهى حلتها مستعدة لنهاية السنة واستمتعت كثيراً بقراءتها فنياً مع وليد والتجول في أبرز معالمها بنظرة المحلل لا الزائر. 

بالمناسبة، نزول الثلج في الشهر الماضي لأول مرة منذ سنوات على المدينة ولو أنه كان ليومين فقط إلا أنه جعل النهاية أكثر شاعرية. وداع أبيض كما وصفته إحدى زميلاتي. 


الدراسة والعمل

حملت لي هذه السنة العديد من القراءات الممتعة والكتاب المتخصصين في التصميم، السياسة، التحليل النقدي وغيرها الذين أحببت التعرف عليهم بجانب الدراسة. عملي على المشروع بحد ذاته وكوني في حالة بحث دائم عمّا يدعم أو يهدم فكرة الرسالة أوصلني للعديد من المواضيع المتشعبة ووجدت من خلاله فرصة للتواصل مع أشخاص لم أفكر بالتواصل معهم قبل ذلك رغم إعجابي الشديد بمايفعلونه.
تحدثت عن الماجستير سابقاً لذا لن أطيل هنا عن نفس الموضوع، وربما لم تكن هذه السنة متفردة بمشروعي فقط ولكن بمشروع وليد أيضاً، وقد يتحدث هو في وقت لاحق بشكل شخصي عنها لكنها فعلياً من أبرز إنجازات هذه السنة لكلينا، ورغم أننا اختلفنا في كثير من تفاصيلها وتحديد مسارها وخضنا ساعات وأيام طويلة من النقاش إلا أنني فخورة جداً بإنجازه في هذه المرحلة وواثقة بأهمية هذه الخطوة في مستقبله المهني.
أبرز ماأذكره استكشافنا لإمكانات الطباعة، الورق والتصنيع وزيارتتنا للعديد من الموردين والمحال المتخصصة في الموضوع. لازلت أذكر انبهاري بما رأيت وحتى الآن أعتقد أنه الأفضل مستوى بالمقارنة. 
 

لعلّ من أبرز الأحداث أيضاً هو عملي مع فريق KCA وهي شركة مهتمة بدراسة زوار المتاحف والمعارض التفاعلية وتصميم حيزاتها ومختصة أيضاً بتدريب طاقم العمل الذي يتعامل بشكل مباشر مع الجمهور لتحقيق الإستفادة الكبرى من التصميم، تقدمت للعمل لديهم بحكم عملهم المتواصل في الشرق الأوسط وكنت مهتمة جداً بفهم اتصال الشرق بالغرب من خلال نظرة داخلية أقرب على خطوات التصميم من الفكرة والإتصال بالعميل حتى التنفيذ. 
لم تكن هذه هي التجربة الأولى حيث عملت في ٢٠١٦ مع شركة 20.20 وهي مشابهة في نشاطها إلا أنها كانت تركز أكثر على البعد التجاري للمشاريع من محال تجارية، سينما، معارض أطفال وغيره وكان مفيداً جداً بالنسبة إلى أن أتعرف على نموذج مختلف هذه السنة حتى أميّز الفرق بينهم وأصقل التجربة وأحدد ماأميل له أكثر ولذا أعتقد أن هذه السنة ما هي إلاّ حصاد لما بدأ في سنوات قبلها.  


الأصدقاء والسفر 

من أجمل ماحصلت عليه خلال هذه السنة أيضاً هو تعرفي على صديقة عزيزة جداً من البرتغال، لاأستطيع تخيّل مكان غير لندن كنا لنلتقي فيه، أذكر المحاضرة الأولى لنا بالجامعة، كان علينا أن نستعرض ما لايزيد عن ١٠ دقائق عن أنفسنا ومجال خبرتنا وكنت في غاية توتري حتى أنني أضعت مكان الإجتماع ووصلت متأخرة. لاأنسى لكارولينا كيف أشارت لي من بعيد وأزاحت حقيبتها كي أجلس بجانبها. كانت هذه هي المرة الأولى التي أقابلها ومنذ تلك اللحظة وحتى لقاءنا الأخير قبل أيام في مدينتها لشبونة التي وقعت في حبها بسببها، وأنا مغمورة بصداقتها وطيب الذكريات التي جمعتنا سوياً. حب الفنّ والإهتمام بنقد الثقافات والتصميم، مدينة باث، جين أوستن، زيارة المتاحف والحدائق، أحلامنا للمستقبل، شرب الشاي الإنجليزي مع السكونز، نتشارك الطبق، تحظى بالزبدة وأأخذ المربى، ماتفضله من بقية المطابخ العالمية وحبها للشوكولا الذي يتحول لإدمان عند التوتر وصوتي الذي لايقلّ تعبيراً عن ملامح وجهي التي تجيد قراءتها. 
 في الأيام الطويلة الرتيبة تأتي لمنزلي أو أذهب لها ونعد الطعام سوياً، حتى قررنا أن نبتكر كتاب وصفات خاص بنا ولعله يرى النور قريباً. اكشتفنا في تعلّم الطهي الذكي ملجأً جميلاً بعيداً عن تعقيدات الحياة اتخدناه سوياً كهواية نستمتع بها من وقت لآخر. 

------------

بعيداً عن كل هذا السرد والتفاصيل، أشعر بأنّ نهاية هذه السنة حملت معها نتاج ما قبلها بشكل محسوس، لم تخلُ من الأخطاء والدروس الصعبة لكن أستطيع القول أنني نضجت فكرياً وأصبح من السهل عليّ أن أحدد رغباتي وميولي وماأريده للمستقبل ورغم أنني لا زلت أحلم بالكثير وقائمتي بالتجارب التي أود أن أخوضها لم تنتصف بعد بل وتوسعت بشكل رهيب في السنوات الأخيرة إلاّ أنني أشعر بثقة كبيرة بما وصلت إليه اليوم، أشعر بأنني بعد توفيق الله ورضاه أستطيع أن أفعل الكثير، خاصة بعد اختلاطي بأجناس وأصناف من البشر لاحصر لها وزياراتي للعديد من المدن برفقة وليد وتعرفنا سوياً على الأشياء للمرة الأولى، بعد كل هذه التجارب المختلفة أستطيع القول بصوت أوضح أنني أكثر ثقة بعملي وشخصيتي وقدراتي على النجاح ومايمكن أن أقدمه للآخرين. 

حمداً لله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
ممتنة لوطني الذي وثق بقدراتي، لأبي وأمي، لعائلتي وزوجي الذين لاأكون إلا بهم، للدعوات الصادقة التي غمرني بها الأحباب والأصدقاء. 

وداعاً ٢٠١٧، إلى لقاء قريب لندن ومرحباً بالبدايات الجديدة.   

Feature Post